الأوقاف تناقش موضوع الهجرة وتأثيرها على واقعنا المعاصر في خطبة الجمعة
حددت وزارة الأوقاف موضوع خطبة الجمعة بتاريخ 19 يونيو 2026، الموافق 2 محرم 1448هـ، بعنوان «فقه الهجرة إلى الله تعالى». وذكرت الوزارة أن الهدف من هذه الخطبة هو توعية المصلين بأن الهجرة إلى الله تتحقق من خلال هجر القلب والجوارح لكل ما يبغضه الله، والاتجاه نحو ما يحبه سبحانه ويرضاه.
كما علمت الوزارة بموضوع الخطبة الثانية، التي ستتناول التحذير من الغش في الامتحانات.
نص موضوع خطبة الجمعة المقبلة
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
تعد الهجرة النبوية مدرسةً متجددة ومنهج حياة يُشكل مشروعًا لبناء الأفراد والأمم. ولا تقتصر الهجرة على الانتقال الجغرافي من مكة إلى المدينة، بل هي انتقال من مرحلة الاستضعاف إلى مرحلة التمكين ومن ضيق الاضطهاد إلى سعة الدعوة.
لذا اعتبرت الهجرة بتاريخ الصحابة رضي الله عنهم بداية للتاريخ الإسلامي في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، إذ تمثل نقطة التحول الكبرى في مسيرة الأمة الإسلامية.
مفهوم الهجرة في الإسلام
تدل الهجرة في اللغة على الترك والمفارقة. إذ يقال هجر الشيء إذا تركه، لكنها في النظر الإسلامي اكتسبت أبعادًا أعمق تعبر عن التضحية من أجل العقيدة، والانقياد لله تعالى في طلب مرضاته.
وقد عرف ذلك شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر رحمه الله قائلاً: “الهجرة هي الترك، وفي الشرع تعني ترك ما نهى الله عنه”. وأوضح أن الهجرة تمت على نحوين: الأول الانتقال من دار الخوف إلى دار الأمن، كما حدث في هجرتي الصحابة إلى الحبشة ومن ثم الهجرة من مكة إلى المدينة. والثاني هو الهجرة من دار الكفر إلى دار الإيمان.
قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: سُئل رسول الله ﷺ عن الهجرة، فقال: «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ» [رواه مسلم]. وهذا يشير إلى انقطاع الهجرة المخصوصة بعد فتح مكة، ولكن الهجرة بمعناها الإيماني العام ستظل مستمرة.
الهجرة الحقيقية التي تظل مستمرة
رغم انقطاع الهجرة بالأبدان، تبقى هجرة القلوب والأرواح مستمرة. في كل عصر، يحتاج الناس إلى الهجرة المتجددة من الذنوب إلى التوبة، ومن الغفلة إلى الذكر، ومن الهوى إلى الاستقامة. وقد نادى القرآن الكريم البشر بالقول: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الذاريات: 50].
كما قال الإمام القشيري: “لا تصحّ الهجرة إلا بالتبرّي بالقلب عن غير الله”، وقسّمها العلماء إلى هجرة حسية ومعنوية. الحسّية تعني الانتقال من وطنٍ يعجّ بالغفلة إلى وطنٍ ينعم باليقظة، بينما المعنوية تشير إلى تحول القلب من المعصية إلى التوبة.
الهجرة النبوية: نقطة فارقة في تاريخ الإنسانية
بعد ثلاثة عشر عامًا من الدعوة في مكة، حينما تعرض النبي ﷺ وأصحابه للأذى، أذن الله تعالى بالهجرة إلى المدينة، لتكون مرحلة جديدة في تبليغ الرسالة. وقد خلد القرآن الكريم هذه اللحظة بقوله: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [التوبة: 40]. وبهذا أصبحت الهجرة نقطة التحول التي انتقل بها الإسلام من مرحلة البلاغ الفردي إلى بناء الدولة والأمة.
لذا كانت الهجرة تتجاوز مجرد الانتقال المكاني، لتصبح ميلاد أمة جديدة وبداية مرحلة جديدة في تاريخ الدعوة الإسلامية.
الهجرة كعلاج لبناء العقيدة والإيمان
تقدم الهجرة دروسًا أساسية في اليقين بالله تعالى، حيث كانت اللحظات التي أحاطت بالنبي ﷺ مليئة بالأخطار، ولم يفقد ثقته بربه، بل كان قلبه مفعمًا بالطمأنينة.
وقد علمتنا الهجرة أن لرحمة الله سعة لا تحدها الأسباب، وأن النصر يبدأ بالثبات على المبادئ. قال تعالى: ﴿وَمَن یَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسۡبُهُۥۤۚ﴾ [الطلاق: 3]. كما تحثنا الخطبة على الحفاظ على الأوطان، فقال الدكتور البوطي: “الهجرة كانت حفاظًا على الوطن وضمانة من الخطأ”.
الهجرة وبناء المجتمع المتماسك
تأسس المجتمع الجديد بعد الهجرة على الإيمان والأخوة الحقيقية، حيث آخى النبي ﷺ بين المهاجرين والأنصار ليؤسس رابطة قوية تتجاوز روابط الدم والقبيلة.
ولضمان نجاح هذه الأخوة، فمن الضروري أن يتوحد الجميع تحت لواء العقيدة الإسلامية التي تجمعهم في مصاف العبودية لله تعالى. وبذلك، أثنى الله على المهاجرين والأنصار في كتابه إذ قال: ﴿لِلۡفُقَرَاۤءِ ٱلۡمُهَٰجِرِینَ ٱلَّذِینَ أُخۡرِجُوا۟ مِن دِیَٰرِهِمۡ وَأَمۡوَٰلِهِمۡ﴾ [الحشر: 8].
الهجرة في حياة الأنبياء والأولياء
يمثل الهجرة منهج الأنبياء والصالحين عند الضرورة. فقد دعا الله أنبياءه للانتقال إلى أماكن تجد فيها الأمان لإقامة دينه. إذ قال إبراهيم عليه السلام: ﴿إِنِّی مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّیۤۖ﴾ [العنكبوت: 26].
وأرسل النبي ﷺ أصحابه لكي يهاجروا طلبًا للأمان ونجاح الدعوة، وينبغي أيضًا أن تشمل الهجرة هجرة القلوب من كل ما يبعدهم عن الله. وقد أشار الباحثون إلى ضرورة الانتقال من عادات سيئة تحول دون الطاعة إلى فضاء القيم النبيلة.
كيف نوظف معنى الهجرة في واقعنا المعاصر؟
الهجرة النبوية ليست مجرد ذكرى تاريخية، بل هي دعوة حيوية للتغيير اليوم، ويمكن توظيفها عبر:
أولًا: الهجرة من المعصية إلى الطاعة، ففي كل يوم يحتاج المسلم إلى الهجرة مما يغضب الله إلى ما يرضيه.
ثانيًا: الهجرة من السلبية إلى الإيجابية، فطالب العلم يجب ألا يستسلم للواقع الفاسد بل يسعى لتغييره.
ثالثًا: الهجرة من الفرقة إلى الوحدة، وما تحتاجه الأمة اليوم هو التآلف والتعاون الصادق.
رابعًا: الهجرة من العادات السيئة إلى القيم الرفيعة، والانتقال من القيود إلى فضاء القيم الربانية.
خامسًا: الهجرة إلى معالي الأمور، بأن يسعى المسلم لتحسين نفسه في جميع جوانب الحياة.
الخطبة الثانية: الغش في الامتحانات
يعد الغش في الامتحانات ظاهرة سلبية منتشرة في المجتمعات التعليمية، ويعتبر من الجرائم العديدة التي تؤثر سلبًا على التعليم. فهو لا يشكل مجرد تجاوز للاختبارات، بل يضعف الأمانة في التعليم. وقد حذر الإسلام من الغش بجميع صوره، معتبرًا إياه خلقًا ذميمًا.
تشمل صور الغش في الامتحانات وسائل متعددة، كالاستخدام غير الشرعي للتقنيات الحديثة وتبادل الغش بين الطلاب. وهذا الأمر ليس فقط مضر بالطالب، بل يؤثر على مستوى التعليم بأكمله.
وختامًا، فإن القيم الإسلامية تفرض على المؤمنين العدل والإخلاص في جميع مجالات الحياة، بما في ذلك التعليم.